ابن الجوزي

85

أخبار الظراف والمتماجنين

مصري ، معتم بمنديل ديبقي « 1 » بيده كيزان « 2 » خزف رقاق ، وزجاج مخروط ، فسألت : هذا ساقي السلطان ؟ فقيل لي : لا هذا ساقي العامة ، فأومأت إليه اسقني فتقدم ، وسقاني فشممت من الكوز رائحة المسك فقلت لمن معي : ادفع إليه دينارا فأعطاه الدينار فأبى ، وقال : لست آخذ منك شيئا . فقلت له : ولم ؟ فقال : أنت أسير وليس من المروءة أن آخذ منك شيئا . فقلت : كمل الظرف في هذا . قال نسيم الكاتب : قيل لأشعب « 3 » : جالست الناس ، وطلبت العلم فلو جلست لنا فجلس . فقالوا : حدثنا . فقال : سمعت عكرمة يقول : سمعت ابن عباس يقول : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول : ( خلتان « 4 » لا تجتمعان في مؤمن ) . ثم سكت . فقالوا : ما الخلتان ؟ فقال : نسي عكرمة واحدة ، ونسيت أنا الأخرى . قال الواقدي « 5 » : لقيت أشعب يوما فقال : وجدت دينارا فكيف أصنع به ؟ قلت : تعرفه ، قال : سبحان اللّه . قلت : فما الرأي . قال : اشتري به قميصا وأعرفه . قلت : إذن لا يعرفه أحد . قال : فذلك أريد .

--> ( 1 ) ديبقي : منسوب إلى ديبق ، بلد بمصر وإليه تنسب الثياب الديبقية . ( 2 ) الكيزان : جمع كوز وهي إناء صغير للشرب . ( 3 ) أشعب : هو أشعب بن جبير ، المعروف بالطامع ، ويقال له ابن حميدة ويكنّى أبا العلاء وأبا القاسم ، ظريف ، من أهل المدينة . كان مولى لعبد اللّه بن الزبير . تأدب وروى الحديث وكان يجيد الغناء . يضرب المثل بطمعه . توفي سنة 154 ه . ( راجع ترجمته في تهذيب ابن عساكر 3 : 75 ؛ وفوات الوفيات 1 : 22 ؛ وثمار القلوب : 118 ؛ وميزان الاعتدال 1 : 120 ؛ ولسان الميزان 1 : 450 ؛ وتاريخ بغداد 7 : 37 ؛ والأعلام 1 : 332 ) . ( 4 ) الخلّة : العادة ، الصفة . ( 5 ) الواقدي : هو محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء ، المدني ، أبو عبد اللّه ، من أقدم المؤرخين في الإسلام ومن أشهرهم ، من حفاظ الحديث . ولي قضاء بغداد واستمر إلى أن توفي فيها سنة 207 ه . ( راجع ترجمته في تذكرة الحفاظ 1 : 317 ؛ ووفيات الأعيان 1 : 506 ؛ وتاريخ بغداد 3 : 3 ؛ وميزان الاعتدال 3 : 110 ؛ وآداب اللغة 2 : 147 ؛ وعيون الأثر 1 : 17 ؛ وتهذيب التهذيب 9 : 363 ؛ والفهرست 1 : 98 ) .